السيد هاشم البحراني
60
البرهان في تفسير القرآن
فلما رأى يونس أن قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر ، وعرف من نفسه قله الصبر ، فشكا ذلك إلى ربه ، وكان فيما شكا أن قال : يا رب ، إنك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة ، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإيمان بك والتصديق برسالاتي ، وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثا وثلاثين سنة ، فكذبوني ولم يؤمنوا بي ، وجحدوا نبوتي واستخفوا برسالاتي ، وقد تواعدوني وخفت أن يقتلوني ، فأنزل عليهم عذابك ، فإنهم قوم لا يؤمنون » . قال : « فأوحى الله إلى يونس : أن فيهم الحمل والجنين والطفل ، والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين ، وأنا الحكم العدل ، سبقت رحمتي غضبي ، لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك ، وهم - يا يونس - عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفي عيلتي ، أحب أن أتأناهم وأرفق بهم وأنتظر توبتهم ، وإنما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا عليهم ، تعطف عليهم لسخاء الرحم الماسة منهم ، وتتأناهم وبرأفة النبوة ، وتصبر معهم بأحلام الرسالة ، وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوي العالم بمداواة الداء ، فخرقت بهم « 1 » ، ولم تستعمل قلوبهم بالرفق ، ولم تسسهم بسياسة المرسلين ، ثم سألتني عن « 2 » سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك ، وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه ، وأحسن صحبة ، وأشد تأنيا في الصبر عندي ، وأبلغ في العذر ، فغضبت له حين غضب لي ، وأجبته حين دعاني . فقال يونس : يا رب ، إنما غضبت عليهم فيك ، وإنما دعوت عليهم حين عصوك ، فوعزتك لا أتعطف عليهم برأفة أبدا ، ولا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إياي ، وجحدهم نبوتي ، فأنزل عليهم عذابك ، فإنهم لا يؤمنون أبدا . فقال الله : يا يونس ، إنهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي ، يعمرون بلادي ، ويلدون عبادي ، ومحبتي أن أتأناهم للذي سبق من علمي فيهم وفيك ، وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك ، وأنت المرسل وأنا الرب الحكيم ، وعلمي فيهم - يا يونس - باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه ، وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له . يا يونس ، قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم ، وما ذلك - يا يونس - بأوفر لحظك عندي ، ولا أحمد « 3 » لشأنك ، وسيأتيهم العذاب في شوال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس ، فأعلمهم ذلك » . قال : « فسر ذلك يونس ولم يسؤه ، ولم يدر ما عاقبته ، فانطلق يونس إلى تنوخا العابد ، فأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم ، وقال له : انطلق حتى أعلمهم بما أوحى الله إلي من نزول العذاب . فقال تنوخا : فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله تعالى . فقال له يونس : بل نلقى روبيل فنشاوره ، فإنه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوة ، فانطلقا إلى روبيل ، فأخبره يونس بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس . فقال له : ما ترى ؟ انطلق بنا حتى أعلمهم ذلك .
--> ( 1 ) أي لم ترفق بهم وتحسن معاملتهم . ( 2 ) في « ط » نسخة بدل : مع . ( 3 ) في المصدر : ولا أجمل .